Yahoo!

العلم أربع كلمات

كتبهاالشيخ إدريس العكراوي ، في 17 فبراير 2010 الساعة: 20:55 م

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

سئل أمير المؤمنين (ع) عن العلم، فقال: "أربع كلماتٍ: أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه، وأن تعصيه بقدر صبرك على النار، وأن تعمل لدنياك بقدر عمرك فيها، وأن تعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها".

ونحن إذا تأمّلنا قول علي (ع) هذا نجد أنّ الإمام (ع) يبيّن فيه أربع روائع وحكم من روائعه وحكمه، فهو يخاطب بها كيان الإنسان ووجوده، يخاطب بها عقله وفطرته، ضميره ووجدانه، ليأخذ بيده طوعاً إلى الله تعالى، فيقول له: إنّ المعرفة التي تنجيك من عذاب الله تعالى يوم القيامة وتجعلك خالداً في الجنّة تتمثّل في العلم بالموازنة بين الأخذ والعطاء، بين المعصية والعقاب.

فالإمام (ع) يقول في بيان معنى العلم: "أربعُ كلماتٍ: أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه"، وهو بهذا يريدك – أيّها الإنسان – أن تفكّر جيّداً وتتأمّل مليّاً في فقرك الدائم إلى الله تعالى ومدى حاجتك إليه، فهل هناك وقت من أوقات حياتك أو لحظة من لحظاتها لا تحتاج فيها إلى الله تعالى؟ هل هناك وقت من أوقات حياتك أو لحظة من لحظاتها يمكنك أن تستقّل فيها عن الله تعالى بأن تعلن الاكتفاء الذاتي عنه سبحانه؟ والعقل قبل الواقع يجيبك بـ (لا)، فأنت في وجودك محتاج إلى الله، وكذلك في استمرار وجودك لحظة بلحظة أنت محتاج إلى الله، وستبقى دائماً – مهما ارتفعت، ومهما استغنيت، ومهما تقدّم بك العلم وتطوّرت التكنولوجيا – محتاجاً إلى الله، خاضعاً لقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ، وَالله هُو الغَنِيُّ الحَمِيْدُ))، فليس هناك لحظة من اللحظات يمكنك أن تستغني فيها عن الله، فعناية الله تعالى بك لم تكن من لحظة وجودك بل كانت من قبل أن توضع نطفتك في رحم أمّك، وإلى الوقت الذي انفصلت فيه عنها، وإلى الوقت الذي كنت فيه على ظهر هذه الأرض، وإلى أن تكون في باطنها، وإلى أن تخرج منها، وهكذا في يوم القيامة أنت محتاج إليه سبحانه، فحاجتك إلى الله مستمرّة دائماً وأبداً، وعليه.. إذا كنتَ محتاجاً إلى الله فلتعبد الله، وإذا كانت حاجتك إلى الله مستمرّة في كلّ لحظة من لحظات وجودك فعليك أن تعبده في كلّ لحظة من لحظات وجودك، وإذا كانت حاجتك إلى الله حاجة كبيرة وعظيمة فعليك أن تعبده عبادة كبيرة وعظيمة، فتكون عبادتك له سبحانه بقدر حاجتك إليه، فقول علي (ع) لك: "أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه"، هي دعوة منه (ع) إليك لتعبد الله طوال حياتك، وتطيعه كلّ حياتك، وأن تكون عبادتك بقدر حاجتك إليه، وبالتالي لا تفكر – في أيّ لحظة من لحظات حياتك – إلاّ في عبادته سبحانه.

وبعد أن بيّن (ع) مقدار العبادة المطالَب بها الإنسان وهي العبادة الضروريّة والدائمة والعظيمة أتى ليبيّن مقدار المعصية فيقول: إنّ مقدار المعصية بمقدار الصبر على النار، "وأن تعصيه بقدر صبرك على النار"، وبالتالي عليك أن تفكّر – أيّها الإنسان الضعيف – في مقدار صبرك على النار لتوازن بين صبرك ومعصيتك، فهل تستطيع أن تصبر على النار؟ بإمكانك أن تجرّب إن أردت، اقترب من النار فانظر إلى نفسك هل تستطيع أن تتحمّل وهجها وأنت خارج عنها، فضلاً من أن تتحمّل لسعة من لسعاتها، فضلاً من أن تحترق بلهبها؟ فالواقع يقول، والحقيقة تشهد أنّك مهما قويت عضلاتك لا تستطيع أن تصبر على النار البسيطة في الدنيا فضلاً من أن تصبر على النار العظيمة فيها، والحال أنّ نار الدنيا – مهما عظمت وكبرت – ما هي إلاّ نار بسيطة لا تكاد تذكر في قِبَال نار الآخرة، تلك النار التي يقول فيها ربّ العزّة: ((… إِنَّهَا لَظَى (*) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى))، وفي مورد آخر يقول: ((وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ، نَارٌ حَامِيَةٌ))، فهي – مهما اتّسع تصوّرك وخيالك – تبقى فوق تصوّرك وخيالك؛ لأنّك عاجز عن أن تدرك كنهها، ((وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ))، أي ما أدراك بكنهها، ما أدراك بلهبها وحرارتها، فهي ليست مجرّد نار، بل ((نَارٌ حَامِيَةٌ))، أي شديدة الحرارة بحيث لا يمكنك – مهما اجتهدت واجتهدت – تصوّر حرارتها، وهذا التعبير من الله، ولاشكّ أنّ تعبير الله سبحانه يختلف عن تعبير الناس، فهذه نعم الدنيا التي لا يمكن الإنسان عدّها لكثرتها وكثرتها عنده ((وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا))، يعبّر عنها الله بأنّها قليلة فيقول: ((قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ))، وبالتالي لو كان الله تعالى يقول: (ناراً) لكفى، فكيف وقد وصفها بأنّها حامية أي شديدة الحرارة؟ فلتعلم أنّك مهما تصوّرت حرارة النار سيبقى تصوّرك قاصراً لا يدرك حقيقة حرارتها، وستبقى حرارتها فوق تصوّرك مهما اتسع تصوّرك وخيالك، فـ "ما ظنّك بنار نُفِخ عليها ألف عام حتى ابيضّت، ونُفِخ عليها ألف عام حتى احمرّت، ونُفِخ عليها ألف عام حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة"[1]، يقول الإمام الباقر (ع) لعمر بن ثابت: "يا عمر، إنّ أهل النار يتعاوون فيها كما تتعاوى الكلاب والذئاب ممّا يلقون من أليم العذاب، ما ظنّك بقومٍ لا يُقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفّف عنهم من عذابها"[2]، ولذلك يخبر الله في كتابه – وهو خير المخبرين، وأصدق الصادقين – أنّ المجرم يتمنّى يوم القيامة الخلاص منها ولو كان الفداء الذي ينجيه منها هم أبناؤه الذين كان يتمنّى أن يفديهم بنفسه وبكلّ ما يملك في دار الدنيا، يتمنّى الخلاص منها ولو كان الفداء هم زوجته وإخوته بل وكلّ فصيلته التي كان يعتزّ بها في دار الدنيا، يتمنّى الخلاص منها ولو كان الفداء هو كلّ مَن يعيش على وجه الأرض، يقول (جلّ وعلا): ((يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (*) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (*) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ (*) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ (*) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (*) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى))، فعليك – أيّها الإنسان – أن تفكّر في هذه النار وترى هل تستطيع أن تصبر على أذاها وحرارتها؟ فإذا كنتَ تستطيع أن تصبر عليها فاعصِ الله بقدر ما تستطيع أن تصبر عليها، أمّا إذا كنتَ عاجزاً عن تحمّلها ولو لمدّة قصيرة خاطفة وهذا هو الواقع، فعليك أن لا تعصي الله ولو في مدّة قصيرة خاطفة، فكما انتفى صبرك عليها ولو في لحظة يلزم أن تنتفي معصيتك أبداً، ومن هنا يتبيّن لك مراد الإمام (ع) من قوله: "أن تعصيه بقدر صبرك على النار"، فهو يريد أن يقول لك: أيّها الإنسان إنّ الواقع يشهد أنّك عاجز عن تحمّل نار الآخرة ولو للحظة واحدة، فعليك أن لا تعصي الله أبداً، بل ولا تفكّر في ارتكاب المعصيّة؛ لأنّ التفكير في ارتكاب المعصيّة يقود إلى فعلها، وفعل المعصية يستوجب النار، يستوجب العقاب الذي لا تقوى على تحمّله، فإذا لم تكن لك طاقة على تحمّل النار فلماذا تعصي الله وأنت تعرف أنّ جزاء المعصية هو النار الحامية التي لا تستطيع الصبر عليها؟ وبالتالي إذا انتفى صبرك على النار وجب أن تنتفي المعصية منك، فكأنّه قال لك: (لا تعصي الله طرفة عينٍ أبداً).

إذن قوله (ع): "أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه" يعني أن تعبد الله دائماً، وقوله: "وأن تعصيه بقدر صبرك على النار" يعني أن لا تعصي الله أبداً، وهنا يأتي سؤال: لماذا قال (ع): "أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه، وأن تعصيه بقدر صبرك على النار" ولم يقل: "اعبد الله دائماً، وتجنّب معصيته دائماً" أو ما يفيد هذا المعنى؟

في تصوّري أنّ قوله (ع): "أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه، وأن تعصيه بقدر صبرك على النار" أبلغ من القول: "اعبد الله دائماً، وتجنّب معصيته دائماً" أو ما يفيد معناها؛ لأنّ الأولى تخاطب الوجدان والفطرة، تخاطب أعماق الإنسان، فالإنسان يعود إلى نفسه ويتساءل عن مدى حاجته إلى الله تعالى، وهل أنّ حاجته هذه مستمرّة أو لا؟ وهل هي بسيطة أو عظيمة؟ ليتفاعل بعد ذلك مع العبادة ممّا يعطي عبادته مصداقيّة وواقعيّة، ممّا يجعل عبادته عبادة مخلصة ذات قيمة حقيقيّة، فبعد أن يدرك الإنسان حاجته إلى الله يحكم عقله وفطرته بأنّ التقرّب إلى الله تعالى واجب، وهكذا عندما يعود الإنسان إلى نفسه ويتساءل عن مدى صبره على حرّ النار ولهبها فيرى العجز ظاهر، ثمّ يرى أنّ عقاب المعصية هو النار، فإنّ العقل والفطرة يحكمان بوجوب تجنّب المعصيّة، بينما الثانية لا تعدو أن تكون نصيحة يُخاطب بها الإنسان دون أن تترك أثراً في أعماقه، وبتعبير آخر: تكون نصيحة عابرة قد يسمعها بإحدى أذنيه وتخرج من الأخرى دون أن تترك أثراً، وإن تركت أثراً فهو بلا شك دون الأثر المطلوب الذي تتركه الكلمة الأولى.

ثمّ يقول الإمام (ع): "وأن تعمل لدنياك بقدر عمرك فيها، وأن تعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها": أي عليك – أيّها الإنسان – أن توازن بين عمرك في الدنيا وبقائك في الآخرة فتعطي الدنيا حقّها، وتعطي الآخرة حقّها، لا أن تخلّ بالتوازن فتميل إلى واحدة على حساب الأخرى، كأن:

-  تميل إلى الدنيا وتتعلّق بها وتغضّ الطرف عن الآخرة، فيزيّن لك الشيطان فعلك فتتصوّر أنّك مخلّد فيها وستعيش فيها إلى ما لا نهاية، بل عليك أن تفكّر وتتأمّل هل بقى فيها مَن كان قبلك لتبقى فيها؟ أليس سنّة الحياة تقتضي الموت والفراق؟ ألا ترى أو تسمع بين الحين والآخر بإنسان فارق الدنيا أو جنازة تودع بالثرى؟ ألم تسمع قول الله تعالى: ((أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ))؟ ألم تسمع قوله تعالى: ((كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ))، وقوله: ((كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (*) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ))؟ ألم تفكّر في مقام رسول الله (ص) وأنّه أفضل خلق الله تعالى على الإطلاق ومع ذلك يخاطبه الله بقوله: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ))؟ أليس رسول الله (ص) أحقّ منك ومن جميع المخلوقات بالخلود في الدنيا لو كانت الدنيا داراً للخلود؟ ألم تسمع قول علي (ع)؛ حيث قال فيما ينسب إليه:

الموت  لا  والداً  يبقـي  ولا  ولدا هذا السبيل إلى  أن  لا  ترى  أحدا

كان  النبي  ولـم  يخلـد  لأمّتـه          لو  خلّد  الله  خلقاً  قبلـه خلـدا

للمـوت  فينا  سهام غـير خاطئة فمَن فاته اليوم  سهم  لم  يفته  غدا

وبالتالي لو كان الله تعالى يخلّد أحداً في الدنيا لكان رسول الله (ص) أحقّ من الجميع بالخلود، ولكنّ رسول الله (ص) مات وفارق الدنيا، فإذا مات رسول الله أفتطمع أنت في البقاء فيها؟

-  أو تميل إلى الآخرة على حساب الدنيا بأن تترك الدنيا وما فيها وتقبل بكلّك على الآخرة، فتعيش عالة على غيرك فقيراً معدماً، متخلّفاً منقطعاً عن الناس، مشغولاً بالعبادة ليلاً ونهاراً، أفتظنّ أنّ الذي خلقك وسخّر لك كلّ الموجودات ورزقك من النعم ظاهرة وباطنة، ووالى عليك نعمه ونعمه حتى عجزت عن عدّها وحسابها يبخل عليك بها؟ أم تظنّه عابثاً لاعباً يخلق النعم ثم يحرّمها؟ حاشا لله، جلّت عظمته، ووسعت رحمته، وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً كبيراً، فالله تعالى يقول لك: ((وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا))، ثمّ لو فكّرت جيّداً – أيّها الإنسان – لوجدت أنّه من المستحيل عليك أن تنقطع عن الدنيا إلى الآخرة، فما دمت تعيش في الدنيا فلابدّ لك أن تتزوّد منها لتصل إلى الآخرة، فـ "نِعْمَ العونُ الدنيا على الآخرةِ"[3]، أم تظنّ أنّ الدنيا كلّها شرّ وبلاء؟ صحيح أنّ "الدنيا مزرعة الشرّ"[4]، و "سوقُ الخُسران"[5] و "مصرع العقول"[6] و "مُنْيَةُ الأشقياء"[7]، وأنّ "أكبر الكبائر حبُّ الدنيا"[8] وأنّ "حبّ الدنيا أصل كلّ معصية، وأوّل كلّ ذنب"[9] و "رأس كلّ خطيئة"[10] فهو "رأس الفتن، وأصل المحن"[11] و "رأس الآفات"[12]، وأنّه "يُعمِي ويُصِمُّ ويُبكِمُ، ويُذِلُّ الرقاب"[13]، "ويُوجب أليم العقاب"[14]، ولكنّ الدنيا ليست واحدة، بل "الدنيا دنياءان: دنيا بلاغ ودنيا ملعونة"[15]، فقوله (ع): "الدنيا والآخرة عدوّان متفاوتان، وسبيلان مختلفان، فمَن أحبّ الدنيا تولاّها وأبغض الآخرة وعاداها، وهما بمنزلة المشرق والمغرب وماشٍ بينهما، كلّما قرب من واحد بعد من الآخر، وهما بعد ضرّتان"[16]، وقوله: "مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وحلاوة الآخرة مرارة الدنيا"[17]، وقوله: "ما زاد في الدنيا نقص في الآخرة، وما نقص في الدنيا زاد في الآخرة"[18]، فهما "ككفّتي الميزان فأيّهما رجح ذهب بالآخر"[19]، وعليه يكون طلب الجمع بينهما "من خداع النفس"[20] وقوله (ص): "كلّما فاتك من الدنيا شيء فهو غنيمة"[21]، المقصود به الدنيا المعلونة، فالدنيا المذمومة هي الدنيا الملعونة التي يقول فيها الإمام الصادق (ع): "إن استطعت أن لا تنال من الدنيا شيئاً تسأل عنه غداً فافعل"[22]، وكلّ ما ورد في الأخبار من ذمّ الدنيا فإنّه إنّما يراد به الدنيا الملعونة، أمّا دنيا البلاغ فهي الدنيا المحمودة الممدوحة، التي هي نعم العون على الآخرة، بل هي "مزرعة الآخرة"[23] وبها "تحرز الآخرة"[24]، واعلم أنّه "ليس من حبّ الدنيا ما يصلحك"[25]، فهذا ابن أبي يعفور يقول: قلت لأبي عبد الله (ع): "إنّا لنحبّ الدنيا، فقال لي: تصنع بها ماذا؟ قلت: أتزوّج منها وأحجّ وأنفق على عيالي وأنيل إخواني وأتصدّق، قال لي: ليس هذا من الدنيا، هذا من الآخرة"[26]، ويوضّح هذا المعنى ما ينقله الإمام الصادق (ع) عن لقمان الحكيم، وهو قوله لولده: "وخذ من الدنيا بلاغاً، ولا ترفضها فتكون عيالاً على الناس، ولا تدخل فيها دخولاً يُضِرُّ بآخرتك"[27]، فالإنجذاب نحو الدنيا مضرّ لأنّه تعلّق بالدنيا الملعونة، أمّا أخذ ما يصلح آخرة الإنسان منها فهو من الدنيا البلاغ المحمودة.

ومن كلّ ما سبق يتبيّن أنّ الميل كلّ الميل نحو الدنيا أو نحو الآخرة مضرّ بالإنسان، وأنّ السلامة في معرفة حقّ كلّ منهما، وإعطاء كلّ واحدة منهما حقّها، وحقّ الدنيا أن تعمل لها بقدر عمرك فيها، وحقّ الآخرة أن تعمل لها بقدر بقائك فيها، فإذا وازنت بين عمرك في الدنيا وبين عملك لها، بين بقائك في الآخرة وبين عملك لها كنتَ سعيداً في الدنيا والآخرة، ومن هنا يقول لك أمير المؤمنين (ع): "أن تعمل لدنياك بقدر عمرك فيها، وأن تعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها"، والحمد لله ربّ العالمين.




[1]   مضمون رواية أبي بصير عن الإمام الصادق (ع).

[2]   البحار.

[3]   ميزان الحكمة: ج3، ص1193.

[4]   ميزان الحكمة: ج3، ص1200.

[5]   نفس المصدر.

[6]   نفس المصدر.

[7]   نفس المصدر.

[8]   نفس المصدر: ص1201.

[9]   نفس المصدر.

[10]   نفس المصدر.

[11]   نفس المصدر.

[12]   نفس المصدر.

[13]   نفس المصدر: ص1202.

[14]   نفس المصدر.

[15]   نفس المصدر: ص1194.

[16]   نفس المصدر: ص1226.

[17]   نفس المصدر: ص1226.

[18]   نفس المصدر: ص1228.

[19]   نفس المصدر.

[20]   نفس المصدر.

[21]   نفس المصدر: ص1227.

[22]   نفس المصدر: ص1195.

[23]   نفس المصدر: ص1193.

[24]   نفس المصدر.

[25]   نفس المصدر: ص1202.

[26]   نفس المصدر: ص1202.

[27]   نفس المصدر: ص1195.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : البحوث إسلاميّة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “العلم أربع كلمات”

  1. السلام عليكم
    الكلام البليغ لأمير المؤمنين يخاطب الوجدان وهو كلام لا يصدر من إنسان عادي بل من حكيم عنده ألف باب من العلم يفتح له من كل باب ألف باب
    مشكور لك سعيك. شيخنا الفاضل في شرح هذه الكلمات المباركة

  2. Great sharing this.

  3. Really nice and impressive blog i found today.

  4. I agree with your Blog and I will be back to check it more in the future so please keep up your work. I love your content & the way that you write. It looks like you’ve been doing this for a while now, how long have you been blogging for?



اكتب تعليــقك