الدرس الثامن: مسائل في التقليد والاحتياط
كتبهاالشيخ إدريس العكراوي ، في 20 أكتوبر 2010 الساعة: 11:58 ص
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، وبعد:
لقد تقدّم الكلام في التقليد وعرفنا معنى التقليد وما يترتّب عليه، وبقي أن نعرف:
1- إذا لم يكن للمجتهد فتوى في مسألة خاصّة أو لم يمكن للمقلِّد استعلامها حين الابتلاء بها ولم يمكنه الانتظار إلى وقت الحصول على الفتوى جاز له الرجوع فيها إلى غيره عند فضل الله والمدرّسي، واشترط الحكيم والخوئي والسيستاني والشيرازي أن يراعى في الرجوع إلى الغير الأعلم فالأعلم، ومثلهم الخامنئي والخميني والصّادق الشيرازي على الأحوط وجوباً.
2- إذا قلّد مَن ليس أهلاً للفتوى وجب عليه العدول عنه إلى مَن هو أهل لها، ويجوز العدول من المجتهد الحيّ إلى مجتهد حيّ آخر عند المدرّسي، ومثله الحكيم والخوئي والسيستاني والشيرازي إذا كان المجتهد الثاني أعلم من الأوّل مع العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى – وقال السيستاني: أو متساويين ولم يعلم الاختلاف بينهما –، ومثلهم الخامنئي والخميني والصّادق الشيرازي على الأحوط وجوباً، وقال فضل الله: يجوز ولكن إذا رجع إلى فقيه في مسألة فلابدّ أن يبقى عليه إذا كان الرجوع إلى غيره موجباً للعلم بالوقوع في المخالفة القطعيّة، وذلك كما إذا عدل إلى مَن يقول في مسألة بحرمة الشيء ثمّ عدل عنه إلى مَن يقول بوجوبه فإنّه في أمثال هذه الموارد لا يجوز العدول بعد العدول.
3- لا يجوز العدول من المجتهد الحيّ إلى المجتهد الميّت.
4- يصحّ تقليد الصبي المميّز، وحكمه حكم غيره في جميع المسائل إلاّ مسألة الاحتياط بين أقوال مَن تساووا في الأعلميّة إذا لم يكن بينهم أورع، فيجوز له قبل البلوغ أن يقلّد مَن شاء منهم عند السيستاني.
5- الوكيل في عمل يعمل بمقتضى تقليد موكّله لا تقليد نفسه ما لم تكن هناك قرينة خاصّة على ابتناء الوكالة على خلاف ذلك، وقال السيستاني يعمل بمقتضى تقليد موكّله لا تقليد نفسه فيما لا يكون مأخوذاً بالواقع بلحاظ نفس العمل أو آثاره وإلاّ فاللازم مراعاة كلا التقليدين.
6- الوصي كالوكيل، وقال الحكيم: يلزمه أن يعمل على طبق اجتهاد الموصي أو تقليده إلاّ مع القرينة على خلاف ذلك، نعم مع الجهل بتقليد الموكِّل أو الموصي أو اجتهاده يجوز العمل على طبق اجتهاد الوكيل أو الوصي وتقليدهما.
7- المأذون والوكيل عن المجتهد في التصرّف في الأوقاف أو في أموال القاصرين ينعزل بموت المجتهد، وكذلك المنصوب من قِبَلِه وليّاً وقيّماً فإنّه ينعزل بموته عند الخوئي، ومثله السيستاني على الأحوط وجوباً، وقال الحكيم: "لابدّ من تجديد وكالته من مجتهد عادل آخر"، بينما ذهب الخميني إلى أنّه لا يبعد عدم انعزاله، ولكن لا ينبغي ترك الاحتياط بتحصيل الإجازة أو النصب الجديد للمنصوب من المجتهد الحي.
8- يحرم الافتاء على غير المجتهد مطلقاً وأمّا مَن يفقد غير الاجتهاد من سائر الشرائط فيحرم عليه الفتوى بقصد عمل غيره بها.
9- إذا نقل شخصٌ لشخصٍ فتوى مرجعه فإذا تغيّرت فتوى المرجع لم يلزم الناقل إعلام المنقول له بهذا التبدّل، أمّا إذا علم الناقل بأنّه قد أخطأ في نقل الفتوى إليه لزم إعلام المنقول له إن أمكن، وقال السيستاني: يجب عليه على الأحوط وجوباً إعلام مَن سمع منه ذلك إذا كان لنقله دخل في عدم جري السامع على وفق وظيفته الشرعيّة وإلاّ لم يجب إعلامه، وكذا الحال فيما إذا أخطأ المجتهد في بيان فتواه.
10- إذا تعارض الناقلان في الفتوى تساقطا مطلقاً سواء تساويا في الوثاقة أم لا، فإذا لم يمكن الرجوع إلى المجتهد أو رسالته يعمل بما وافق الاحتياط من الفتويين أو يعمل بالاحتياط العام، وقال الخوئي: إذا تعارض الناقلان في الفتوى فمع اختلاف التاريخ واحتمال عدول المجتهد عن رأيه الأوّل يعمل بمتأخّر التأريخ، وفي غير ذلك يعمل بالاحتياط على الأحوط وجوباً حتى يتبيّن الحكم، وقال السيستاني: إن حصل الاطمئنان الناشئ من تجميع القرائن العقلائيّة بكون ما نقله أحدهما هو فتواه فعلاً فلا إشكال وإلاّ فإن لم يمكن الاستعلام من المجتهد عمل بالاحتياط، أو رجع إلى غير الأعلم أو أخّر الواقعة إلى حين التمكّن من الاستعلام.
في الاحتياط
ذكرنا فيما سبق أنّه يجب على كلّ مكلّف أن يحصّل الحكم الشرعي وقلنا أنّه يمكن تحصيله إمّا بالاجتهاد وإمّا بالتقليد وإمّا بالاحتياط، وقد عرفنا فيما سبق المراد بالاجتهاد والتقليد وبقي أن نعرف المراد بالاحتياط فنقول:
الاحتياط هو العمل بنحوٍ يُتيقّن معه ببراءة الذمّة من التكليف، وهو تارة يقتضي العمل، وتارة يقتضي الترك، وتارة يقتضي التكرار، وتفصيله:
الأوّل –الاحتياط الذي يقتضي العمل: ويكون في كلّ مورد تردّد الحكم فيه بين الوجوب وغير الحرمة، فالاحتياط حينئذٍ يقتضي الاتيان بالعمل الواجب، من قبيل صلاة الجمعة في زمن غَيبة المعصوم (ع) حيث تردّد الحكم فيها بين الوجوب والاستحباب، فالاحتياط يقتضي الاتيان بها، فإن كانت واجبة فقد جاء بها، وإن كانت مستحبّة نال أجرها.
الثاني –الاحتياط الذي يقتضي الترك: ويكون في كلّ مورد تردّد الحكم فيه بين الحرمة وغير الوجوب، فالاحتياط حينئذٍ يقتضي ترك العمل المحرّم، من قبيل التدخين بقاءً، حيث تردّد الحكم فيه بين الحرمة والكراهة، فالاحتياط يقتضي ترك التدخين، فإن كان حراماً فهو لم يأتِ به ولا إثم عليه، وإن كان مكروهاً لم يضرّه تركه شيئاً.
الثالث –الاحتياط الذي يقتضي التكرار: ويكون في كلّ مورد تردّد الواجب فيه بين أمرين، من قبيل إذا لم يعلم المكلّف في مكان خاصّ أنّ وظيفته الاتمام في الصّلاة أو القصر فيها، فإنّ الاحتياط يقتضي حينئذٍ أن يأتي بها مرّة تماماً ومرّة قصراً، فإن كان الواجب عليه فعلاً هو التمام فقد جاء به، وإن كان الواجب عليه فعلاً هو القصر فقد جاء به أيضاً.
واعلم:
1- أنّ هناك فتوى بالاحتياط، واحتياطاً في الفتوى، فتارة يفتي المجتهد بوجوب الاحتياط وبالتالي يجب على مقلّده أن يعمل بهذا الاحتياط، وتارة يحتاط في الفتوى، والاحتياط في الفتوى على نوعين: احتياط وجوبي واحتياط استحبابي، ففي الاحتياط الوجوبي يلزم على المقلِّد إمّا أن يعمل بمقتضى هذا الاحتياط وإمّا أن يعدل إلى مجتهد آخر مع مراعاة الأعلم فالأعلم عند مَن يشترط الأعلميّة في مرجع التقليد، وفي الاحتياط الاستحبابي يتخيّر المقلِّد بين العمل بهذا الاحتياط أو ترك العمل به ولا يعدل إلى غير مرجعه.
2- أنّ الاحتياط الوجوبي هو الاحتياط الذي لم يسبق ولم يلحق بفتوى في نفس المسألة التي وقع فيها الاحتياط، والاحتياط الاستحبابي هو الذي سبق أو لحق بفتوى في نفس المسألة التي وقع فيها الاحتياط، فمثلاً إذا قال المجتهد: [الأحوط أن يأتي بالتسبيحات الأربع – أعني: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر – في الركعة الثالثة والرابعة من الصّلاة ثلاث مرّات]، فهو الاحتياط الوجوبي؛ لأنّا لا نجد للمجتهد فتوى بخصوص التسبيحات لا قبل الاحتياط ولا بعده، أمّا إذا قال: [تجب التسبيحات الأربع في الركعة الثالثة والرابعة مرّة واحدة والأحوط الإتيان بها ثلاثاً] فهو الاحتياط الاستحبابي؛ لأنّا نجد المجتهد قد أفتى بكفاية الواحدة ثمّ احتاط.. ومن الاحتياط الوجوبي قول المجتهد: (الأحوط وجوباً) أو (الأحوط لزوماً) أو (وجوبه مبنيّ على الاحتياط) أو (وجوبه مبنيّ على الاحتياطي اللزومي) ونحو ذلك، أو قال: (يشكل كذا) أو (هو مشكل) أو (محلّ إشكال) أو قال: (فيه تأمّل) أو (هو محلّ تأمّل)… وهكذا، ومن الاحتياط الاستحبابي قول المجتهد: (الأحوط استحباباً) أو (الأحوط الأولى)، أو قال: (يجوز على إشكال) أو (يجوز على تأمّل)… وهكذا.
3- يجوز لمَن يعرف موارد الاحتياط أن يترك التقليد ويعمل بالاحتياط سواء استلزم التكرار أو لا.
4- كلّ مورد لا يتمكّن المكلّف فيه من الاحتياط يتعيّن عليه الاجتهاد أو التقليد، كما إذا تردّد مال شخصي بين صغيرين ولا يُدرى لمَن المال منهما، أو مجنونين، أو صغير ومجنون، فإنّه يتعذّر الاحتياط في مثل هذه الموارد فلابدّ حينئذٍ من الاجتهاد أو التقليد.
5- قد لا يسع المكلّف أن يميّز ما يقتضيه الاحتياط التامّ، مثال ذلك أنّ الفقهاء قد اختلفوا في جواز الوضوء والغسل بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر، فالاحتياط يقتضي ترك ذلك إلاّ أنّه إذا لم يكن عند المكلّف غير هذا الماء فالاحتياط يقتضي أن يتوضّأ أو يغتسل به ويتيمّم أيضاً إذا أمكنه التيمّم، فإذا عرف المكلّف كيفيّة الاحتياط التامّ في مثل ذلك كفاه العمل على وفقه، وقد يتعارض الاحتياط من جهة الاحتياط من جهة أخرى فيتعذّر الاحتياط التامّ، وقد يعسر على المكلّف تشخيص ذلك، مثلاً: إذا تردّد عدد التسبيحة الواجبة في الصّلاة بين الواحدة والثلاث، فالاحتياط يقتضي الاتيان بالثلاث، لكنّه إذا ضاق الوقت واستلزم هذا الاحتياط أن يقع مقدار من الصّلاة خارج الوقت وهو خلاف الاحتياط ففي مثل ذلك ينحصر الأمر في الاجتهاد أو التقليد.. والحمد لله ربّ العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الفقه المبسّط | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






















